لمَ الورقة البيضاء؟

أُطلقت عدّة مبادرات في الفترة الماضية بهدف تعزيز علاقات التعاون بين بلدان المنطقة الأوروبية-العربية. ولكن فشلت في غالبيّة الأوقات ووصلت إلى طريق مسدود نظراً للتحديات الكبيرة. فإن مؤسسة تعزيز الحوار المتوسطي والأوروبي-العربي مقتنعة بأنّمقاربة ابتكاريّة تضمّ التطوّرات الاستراتيجيّة في إطار الدبلوماسية وتسمح للمجتمعات المدنيّة بلعب دورها بالكامل هي وحدها ستساهم في إطلاق الحوار الذي تطمح إليه اليوم شعوب المنطقة.

مراعاة التطوّرات الدبلوماسية

الروابط الدولية والعلاقات المتبادلة هي موضوع الدبلوماسية التي تنبعث عادة من كفاءة الديبلوماسيين المحترفين، أي وكلاء الدولة. وتتمثّل مهمّة الدبلوماسي بالتوفيق بين مصالح كلّ دولة يمثّلها ومعالجة المشاكل التي قد تواجهها دولتان أو أكثر، بدون اللجوء إلى القوّة. ومن هنا، تُعتبر الدبلوماسية في المجمل فنّ التفاوض بين الحكومات أو بين كيانات تعاني من الصراعات.

لكن تطوّرت هذه الرؤية التقليديّة خلال العقود الأخيرة من جرّاء ظهور جهات فاعلة جديدة، غالباً ما تتدخّل في العلاقات ما بين الحكومات. ويمكن الحديث عادةً عن جهاتٍ غير حكوميّة. مفهوم الدبلوماسية هذا يشير إلى الجهود التي تُبذل على المستوى غير الحكومي عبر اتصالات غير رسميّة بين مواطني القطاع الخاصّ وممثلين عن منظمات غير حكوميّة. وتقع هذه الجهود في إطار الدبلوماسية المعروفة بـ”دبلوماسية المسار الثاني.” وغالباً ما تتجه نحو الأهداف نفسها التي تتبعها الدبلوماسية التقليديّة المعروفة بـ”دبلوماسية المسار الأول” التي تعمل عبر قنواتٍ حكوميّة.

لا تحلّ دبلوماسية المسار الثاني مكان دبلوماسية المسار الأول، بل هي تكمّلها في أغلبية الأحيان. وتعمل هذه الدبلوماسية على مساعدة الجهات الرسميّة (أي الدبلوماسيين والجهات الحكوميّة) في حلّ المشاكل، وحتى الصراعات، عبر حلول تمّ التفاوض عليها وبعيداً عن المتطلّبات والقيود الناجمة عن مواقف رسميّة.

وقد يكون توزيع المهام هذا مفيداً في إدارة المشاكل المعقّدة أو النزاعات القديمة. يتكلّم المحلّلون اليوم عن دبلوماسية “المسار الواحد والنصف،” حيث يتمّ توزيع المهام من أجل حلّ نزاعٍ بين الجهات الرسميّة من جهة وبين الجهات غير الرسميّة من جهةٍ أخرى.

تمكين المجتمع المدني من الاضطلاع بهذا الدور على نحو كامل

على المستوى الوطني، يرى الرأي العام أن شواغل المجتمع المدني هي تعبير عن الطموحات التي تمّ تجاهلها، إما على نحو كامل أو على نحو جزئي، في الأعمال السياسيّة العامّة. ولكي تلتفت الأخيرة إلى هذه الطموحات، ينبغي لفت انتباه الحاكمين عبر وساطة تتطرّق إلى احتياجات وتوقّعات المجتمع المدني والسلطات العامّة. ولكن لا تقتصر وظائف المجتمع المدني على ذلك فحسب، بل تتوجّه أيضاً إلى المواطنين لحثّهم على المشاركة في هذه القضايا. وفي هذا الإطار، يلعب التوزيع الثلاثي في العلاقات بين الحاكم والمحكوم دوره عبر وساطة بين الحاكمين والمجتمع المدني والمواطنين.

وينطبق الأمر نفسه على القضايا الدولية الحكومية. فيُعتبر التوزيع الثلاثي شكلاً جديداً من أشكال تنظيم الكفاءات، وهو مبنيّ على فكرة أنه إذا كان العمل الدبلوماسي يهدف إلى تطوير علاقاتٍ جديدة ومتبادلة بين دولتين أو أكثر، لا بدّ أن يعرّف أو يعبّر المواطنون والمجتمعات المدنية المعنية مسبقاً عن احتياجاتهم وتوقّعاتهم من تطوير العلاقات هذه. في الدول العربية وفي ضوء الثورات العربية، لا بدّ من الاستماع إلى هؤلاء الرجال والنساء المستمرّين في المعركة من أجل كرامة أبناء بلادهم. ولكن عليهم أولاً أن يعبّروا عن أنفسهم، وهذا تحديداً شرط التعاون الأوروبي-العربي الجديد.

بات اللجوء إلى تعبير المجتمع المدني عن آرائه لتسهيل بناء علاقات ترقى إلى مستوى توقّعات الشعوب، شرطاً أساسياً لكلّ عمليّة تشاوريّة دبلوماسية. أمّا اقتصار التعاون الأوروبي-العربي المستقبلي على دبلوماسية تقليديّة واحدة (دبلوماسية المسار الأول) بدون استشارة المجتمع المدني مسبقاً، فسيشكّل “عجزاً دبلوماسياً.”

وفي ضوء هذه الرؤية، تسعى مؤسسة تعزيز الحوار المتوسطي والأوروبي- العربي إلى صياغة ورقة بيضاء عن التعاون الأوروبي-العربي. فهي ترى في هذه الورقة مرحلة ضروريّة تتطلّب مشاورات مسبقة مع كلّ شعوب البلدان الملتزمة في المفاوضات. وفي هذا الإطار، لا يتمثّل دور المجتمع المدني بتكملة أو استبدال المشاورات بين الحكومات، بل يتميّز بكونه حجر الأساس لهذه المشاورات ويساهم في إنجاحها. فيتخطّى المجتمع المدني دوره ككيان تكميليّ أو كعنصر دعم في دبلوماسية المسار الواحد والنصف، ليصبح عنصراً لا غنى عنه في هذه المشاورات ويساهم في تطوير دبلوماسية كاملة وشاملة.